السيد حسن القبانچي
60
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع )
الاختلاف بيننا وبين الماديين يدور بين السلب والإيجاب ، وبين الوجود واللاوجود ، فإذا أبطلنا قول الماديين ثبت قهرا القول الثاني ، بناء على بطلان التناقض الذي هو خير وسيلة لفصل الخصومات . إذن لا فرق بين أن نتجه إلى مزاعم الماديين فنبطلها ، أو نتجاهلهم بالمرة ، ونثبت ما نقول ابتداء ، لا فرق إلا في الخطة والأسلوب ، هذا إلى ما ذكرنا من البراهين الإيجابية على تجريد النفس وبقائها بعد فساد البدن . علاقة النفس بالبدن إن علاقة النفس بالجسم مسألة عسيرة الحل ، ذلك أننا لا ندرك النفس في ذاتها وحقيقتها ، وإنما ندركها بظواهرها وأفعالها ( قال أرسطو في كتاب النفس ) : « إنها كمال أول لجسم طبيعي آلي » ويريد بالآلي أنه ذو أعضاء وأن لكل عضو وظيفة تخصه ، وهذا تعريف بالآثار ، تماما كتعريف البيت بأنه ملجأ يحمي من أضرار الرياح والأمطار ، ويحجز بين أهله وأعين النظار . بل قال جماعة من المفسرين وعلماء الكلام : إن النفس شيء استأثره اللّه بعلمه ، ولم يطلع عليه أحدا من خلقه حتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وعليه لا يجوز لأحد البحث عنها بأكثر من القول بأنها موجودة وكفى . وقال صدر المتألهين في كتاب - الأسفار - « إن النفس لا تعرف بالحد ، لأن الحد مركب من الجنس والفصل ، ولا جنس وفصل للنفس لأنها جوهر بسيط ولكنه أنكر أشد الإنكار على من زعم أن علمها محجوب عن الرسول الأعظم ، لأن جهله بحقيقتها يتنافى مع منصب النبوة . وقال في كتاب - المظاهر الإلهية - ما نصه بالحرف : « لا تظنّن أن النبي لم يكن عالما بالروح ، وكيف يكون برهانا ومظهرا لجميع الصفات . وقد توهم جماعة أن اللّه أبهم علم الروح على الخلق ، واستأثره لنفسه ، حتى قالوا لفرط جهلهم بمنصب النبوة : إن النبي لم يكن عالما به ، جل منصب حبيب اللّه أن يكون جاهلا بالروح ، وقد منّ اللّه عليه بقوله : وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً « 1 » وقوله تعالى : وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ « 2 » .
--> ( 1 ) سورة النساء ، الآية 113 . ( 2 ) سورة العنكبوت ، الآية 43 .